إذا كُنت من مُتابعي الأفلام أو المُسلسلات التي تتحدث عن ريادة الأعمال، فأنت تذكر جيدًا ذلك المشهد الذي يقف فيه رائد الأعمال في أعلى تلّة أو أمام بُحيرة مُتأملًا جمال المنظر الذي أمامه باحثًا بين ثناياه عن بعض الحلول لمشاكل في مشاريعه الحالية، أو في حالات أعقد باحثًا عن إلهام لفكرة جديدة يخوض غمارها.
التلّة أو البحيرة هي مُجرد صور لأماكن تبعث راحة نفسية بداخل الشخص عسى أن تُرسل الطبيعة بعض الإشارات ليتمكّن الشخص من تحقيق مُبتغاه. يُمكن أن يكون حوض الاستحمام من الأماكن المُحببة للبعض، أو الوقوف فوق جسر لتأمل زحمة السير، لكنك صدقني لست بحاجة إلى كل هذه الصور دائمًا لاستلهام فكرة مشروعك الجديد طالما أنك تعيش في هذه الحياة وتخرج كل يوم لتواجهها في مُختلف المجالات.
قائمة المشاريع الموجودة حاليًا طويلة جدًا، فهناك شبكات اجتماعية عامة مثل فيسبوك، وخاصة بالصور ومقاطع الفيديو مثل انستجرام، وأُخرى لمشاركة المقاطع الصوتية مثل ساوند كلاود، تُقابلها شبكة لمشاركة مقاطع الفيديو مثل يوتيوب. لا تنسى أيضًا التطبيقات الخدمية مثل النقل التشاركي بواسطة أوبر، أو إجراء المحادثات الفورية مثل واتس اب، وإذا كنت تبحث عن شيء أكثر أمانًا فإليك تيليجرام، والقائمة تطول وقد لا تنتهي، فكل يوم تخرج لنا أفكار جديدة، بعضها كانت في مُخيّلتنا بشكل أو بآخر ورغبنا بتنفيذها لكن الظروف حالت دون ذلك، وبعضها الآخر لم يخطر على بالنا أبدًا، لكن الحقيقة موجودة أمامنا وتتمثّل بأن هذه الأدوات نجحت ويقف وراءها روّاد أعمال لا نختلف عنهم بشيء في مُعظم الحالات.
لكن هل حصل جميع مؤسسوا تلك التطبيقات على الإلهام بعد الوقوف أمام بُحيرة أو بعد سماع صوت أمواج البحر؟ الإجابة هي قطعًا لا، فلا تتجاوز نسبة من قام بذلك 1٪ فقط من إجمالي أصحاب المشاريع، وبالتالي هُناك مصدر آخر يقف وراء ذلك، وارجو أن لا تستمع للصوت الموجود بداخلك والذي يقول لك أنها مؤامرة وكل شيء مُخطط مُسبقًا.
هل تعرف السبب الحقيقي وراء إنشاء شبكة فيسبوك؟ باختصار وجد مارك زوكربيرج – مؤسس شبكة فيسبوك – أن جامعته بحاجة لوسيلة تتيح للطلاب التواصل فيما بينهم وتبادل الملفات الدراسية بكل سهولة، دون نسيان دورها كسجل يسمح للجميع بالإطلاع على أصدقاء الدراسة في أي وقت بعد التخرّج والخوض في معارك الحياة المُختلفة.
ماذا عن سناب تشات Snapchat وصاحبه أصغر ملياردير في العالم؟ فبكل تأكيد لن يجد المُراهق ضالته في الأماكن التي تحدثنا عنها سابقًا، بل جاء تطبيقه نتيجة لمُشكلة يعاني منها، حيث قال لصديقه أتمنى أن أُرسل صوري لصديقتي دون أن تتمكن من حفظهم، أي أن الصور يجب أن تختفي بعد مدّة زمنية مُعيّنة، ومن هنا انطلق الملياردير الصغير.
الأمثلة تطول، لكن المُحفّزات واحدة وإن اختلفت، فإذا كُنت جائعًا فأنت تتوجه للأكل، وإن كُنت مُنهك القوى فأنت تتوجه للنوم قليلًا، أما في حالة الرغبة في النجاح كرائد أعمال فالأفكار موجودة بالفعل أمامك لكنك لا ترغب في رؤيتها.
جميع المشاريع الموجودة حاليًا قامت على أساس مُشكلة اشتكى منها صاحب الفكرة، فعندما كانت شبكة تويتر الوسيلة المُفضلة لتبادل الرسائل بين الأصدقاء، جاء واتس اب ليجعل الأمور أسهل. وعندما احتاج أحدهم لنشر مقاطع صوتية على الإنترنت والسماح لأصدقاءه بالاستماع لها وترك تعليقات عليها ولدت شبكة ساوند كلاود، كذلك هو الأمر عندما كانت هناك ضرورة لتسهيل البحث عن مُستقلين في العالم العربي
هذا وإن دلّ على شيء يدل على أن فكرة أي مشروع تولد من حاجتك الشخصية لها، وأنا أؤمن دائمًا أن أي تطبيق، أداة أو موقع سوف تقوم بإنشائهم، يجب أن يحلّوا أولًا مُشكلة تُعاني أنت منها، وتوقع بكل تأكيد أن الكثيرين يعانون منها وسوف تكون حلًا لمشاكلهم فيما بعد.
هل تنزعج من نسيانك لمواعيد زيارة طبيب الأسنان للكشف الدوري؟ ما رأيك إذًا بفكرة تطبيق تقوم باستخدامه عند زيارة طبيب الأسنان، ليقوم بعدها بثلاثة أشهر أو ستة بتذكيرك بضرورة زيارة الطبيب من جديد. هل ترغب بترك التدخين ولا تقوى على تركه مرّة واحدة؟ ما رأيك إذًا بفكرة تطبيق يُساعدك على تقليل عدد السجائر يوميًا، حيث يبدأ معك بالتدخين كل ساعة ويقوم آليًا بزيادة هذه المدّة دقيقة أو دقيقتين كل يوم، ليصل الفارق بين أوقات التدخين إلى ساعتين أو أكثر خلال شهر أو شهرين وبالتالي سوف تنخفض عدد السجائر وتشعر أنك لم تعد بحاجتها !
هل تُريد المزيد من الأفكار؟ في جعبتي الكثير، وكذلك هو أمر الشبكات الاجتماعية، لكن هذه الأفكار لن تكون لها قيمة طالما أنها لا تحل مُشكلة تُعاني منها أنت، فتذكر أنك لست الوحيد في هذا العالم، فنحن تقريبًا 7 مليارات ونصف المليار شخص على هذا الكوكب.
إذا كُنت ستسألني عن الطريقة الأمثل لإيجاد فكرة لمشروعك القادم، فالإجابة الوحيدة هي أنت، فكر بأكثر المشاكل التي تُعاني منها باستمرار، ما هي الأمور التي تقلق راحتك اليومية، ما هي الأمور التي تجعلك بحالة من التوتر على الرغم من بساطتها، وعندما تجد الإجابة على هذه الأسئلة يُمكنك بكل تأكيد وضع فكرة مشروعك الجديد والبدء في البحث عن الطريقة الأمثل لتحقيقها، فالأفكار الجديدة لا تنمو على الأشجار، إنما تأتي نتيجة لحاجة صاحبها لأفضل طريقة للتغلّب عليها، فمن كان يعتقد أن تطبيق لمشاركة الصور على الهواتف الذكية – انستاجرام – سيكون قادرًا على مُنافسة مُشاركتها على فيسبوك؟